محمد جمال الدين القاسمي
349
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
حتى يتم له أن هذا الوجه من المشيئة لم يقع ، وأن مشيئته اجتماعهم على الهدى على اختيار منهم ، ثابتة غير ممتنعة ، ولكن لم يقع متعلقها . وهذه من خباياه ومكامنه فاحذرها - واللّه الموفق - . الثالث - لم يقل ( لا تكن جاهلا ) بل من قوم ينسبون إلى الجهل ، تعظيما لنبيه صلى اللّه عليه وسلم بأن لم يسند الجهل إليه ، للمبالغة في نفيه عنه . وما فيه من شدة الخطاب ، سرّه تبعيد جنابه الكريم عن الحرص على ما لا يكون والجزع في مواطن الصبر ، مما لا يليق إلا بالجاهلين . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 36 ] إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) وقوله تعالى : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ تقرير لما مرّ من أن على قلوبهم أكنة ، وتحقيق لكونهم بذلك من قبيل الموتى ، لا يتصور منهم الإيمان البتة . أي : إنما يستجيب لك ، بقبول دعوتك إلى الإيمان ، الأحياء الذين يسمعون ما يلقى إليهم ، سماع تفهم ، دون الموتى الذين هؤلاء منهم . كقوله تعالى : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى * [ النمل : 80 ] ، وإن كانوا أحياء بالحياة الحيوانية ، أموات بالنسبة إلى الإنسانية ، لموت قلوبهم بسموم الاعتقادات الفاسدة ، والأخلاق الرديئة . و الْمَوْتى مبتدأ . يعني : الكفار الذين لا يسمعون ولا يستجيبون ، يبعثهم اللّه يوم القيامة ، ثم إليه يرجعون ، فيجزيهم بأعمالهم . فالموتى مجاز عن الكفرة كما قيل : لا يعجبنّ الجهول بزّته * فذاك ميت ثيابه كفن قيل : فيه رمز إلى أن هدايتهم كبعث الموتى ، . فلا يقدر عليه إلا اللّه ، ففيه إقناط للرسول صلى اللّه عليه وسلم عن إيمانهم . وفي تسميتهم ( موتى ) من التهكم بهم ، والإزراء عليهم ، ما لا يخفى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 37 ] وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وَقالُوا يعني : مشركي مكة ، بيان لنوع آخر من تعنتهم ، إذ لم يقتنعوا بما